ابن خلدون
385
رحلة ابن خلدون
السّلام . ومررت في طريقي إليه ببيت لحم ، وهو بناء عظيم على موضع ميلاد المسيح ، شيّدت القياصرة عليه بناء بسماطين من العمد الصّخور ، منجّدة مصطفّة ، مرقوما على رؤوسها صور ملوك القياصرة ، وتواريخ دولهم ، ميسّرة لمن يبتغي تحقيق نقلها بالتّراجمة العارفين لأوضاعها ، ولقد يشهد هذا المصنع بعظم ملك القياصرة وضخامة دولتهم . ثم ارتحلت من مدفن الخليل إلى غزّة ، وارتحلت منها ، فوافيت السّلطان بظاهر مصر ، ودخلت في ركابه أواخر شهر رمضان سنة اثنين وثمانمائة . وكان بمصر فقيه من المالكية يعرف بنور الدّين بن الخلال ، « 1722 » ينوب أكثر أوقاته عن قضاة القضاة المالكية ، فحرّضه بعض أصحابه على السّعي في المنصب ، وبذل ما تيسّر « 1723 » من موجوده لبعض بطانة السّلطان الساعين له في ذلك ، فتمّت سعايته في ذلك ، ولبس منتصف المحرّم سنة ثلاث ، ورجعت « 1724 » أنا للاشتغال بما كنت مشتغلا به من تدريس العلم وتأليفه ، إلى أن كان السّفر لمدافعة تمر عن الشام .
--> ( 1722 ) علي بن يوسف بن عبد الله ( أو ابن مكي ) الدميري ( أو الزبيري ) ، المعروف بابن الخلال المالكي . له ترجمة في « نيل الابتهاج » ص 206 ، « عقد الجمان » للعيني ( لوحة 159 ، 160 من حوادث سنة 803 ) . ( 1723 ) في « عقد الجمان » للعيني ( سنة 803 لوحة 159 - 160 ) : « . . . وحصل له ( ابن الخلال ) حنق من ابن خلدون المغربي في شيء ، فحمله ذلك إلى سعي في القضاء بالرشوة ، فتولى ولم تطل أيامه ، فمات وعليه جملة ديون » . وكذلك جاء النص على بذله المال في سبيل الحصول على خطة القضاء ، في « السلوك » للمقريزي ( سنة 803 ورقة 131 ب نسخة الفاتح ) ، وفي تاريخ ابن قاضي شهبة في حوادث سنة 803 ، لوحة 170 ب . ( 1724 ) كانت المحنة التي لحقته في هذه المرة قاسية ، وقد ألم بها ابن قاضي شهبة في تاريخه سنة 803 لوحة 170 ب : « . . . وسبب عزل المذكور ( ابن خلدون ) مبالغته في العقوبات ، والمسارعة إليها ، وأهين ، وطلب بالنقباء من عند الحاجب أقباي ماشيا من القاهرة إلى بيت الحاجب عند أكلبش ، وأوقف بين يديه ، ورسم عليه ، وحصل له إخراق ، وأطلق بعض من سجنه ؛ ثم أعطى تدريس المالكية بوقف أم الصالح عوضا عن ابن الخلال » .